عيسى الشيخ حسن
23-02-2004, 09:29
أقواس
عيسى الشيخ حسن
EASSASH@HOTMAIL.COM
رسالة إلى المتنبي
أرقٌ على أرقٍ جدي العزيز :
أعرف أنك زعلان منا كثيرا ، وتقول : قطعوني من الزيارة ، وتشاغلوا عني : بالشعر الحديث ، وتداعيات العولمة ، والروم الذين غليوا من بعد غلب ، وأحوال المعيشة المرهقة ، ها أنت قلت مرهقة ، نحن معذورون يا جد ، و ها أنت عصبي المزاج ،و كثير العتب ، ، من قال لك أن تشتم ضبة ، وكافور وابن كيغلغ ، ,و الدهرالذي " ناسه ناسٌ صغار " ، الجميع ناصبوا أحفادك العداء ، لو كنت مكانك لمدحتهم ، من أجلنا ، أليس لنا خاطر عندك ، يا رجل على الأقل لا تهجهم ، ومن قال لك أن تبكي على الفتى الـ......... ، الغريب الوجه واليد واللسان ، لننركنا في حسرتك حتى الآن ، لا غريب ولا من يحزنون ، يمكن لأننا غرباء أمام أنفسنا ، وغرباء على هذا الوقت العجيب ، ولكن ماالعمل ؟ نحن ـ من جهتنا ـ ما نسيناك ، كتبنا اسمك بحروف الشوق والرهبة ، والتعجب والكمد ، والأسى ، والأمل ، كتبناه على دفاتر اللغة ، وسبورات المدارس ، بخط الرقعة والنسخ والديواني ، حفظنا دالية العيد " عيد بآية حال ٍ " ، وميمية العتاب " واحر قلباه " ، ولامية الغربة " مابنا كلنا جوٍ يارسول " ، وسمعناها لطلابنا ، وأولادنا ، واستخرجنا منها الأفعال الخمسة ، والهمزة المتوسطة ، هذا ما نستطيعه من أجلك ، أما الزيارة ...؟؟؟ هيهات ، والله هذا ما نستطيع ، ستقول وقفوا في صف ّ أبي حيان التوحيدي ، أو الصاحب بن عباد ، ومن لف لفهم من الأدباء الذين أعمتهم الغيرة عن شعرك ، كلكم مساكين يا جدي ، المسكين أبو حيان أحرق كتبه ، ويعمل حاليا ً مصحح أخطاء إملائية في جريدة يومية ، وابن عباد صار سمسار عقارات في ذات المدينة .
أي محل ٍ أرتقي / أي عظيم أتقي
أي محل يا جدي ؟ أي محل ؟ بعدك بقليل جار علينا الزمن ، مالت علينا جهات الريح ، و حللنا الأغوار بعد النجود ، وحل علينا النصب والوصب والتعب ، بينك وبينك النصب مريح ، من جهة يظل بيننا وبين مجدنا المرفوع رمية حجر ، فنغرف من أمسنا ملء العين والحسرة ، ونستكتب أشعار الندب والعويل ، وقلنا : نرتاح قليلاً لنعاود الكرّة إلى مضارب أجدادنا المفتوحة على شرفات المدى .
ومابين : " ارحموا عزيز قوم ذل ّ " ، وبين : " أولئك أجدادي فجئني بمثلهم " طال علينا الأمد ، وفوجئنا ذات يوم أنهم يطلبون منا الرحيل إلى مكان آخر ، هناك أمم أخرى اعتراها النصب ،والوهن ، وجاء دورها كي ترتاح في منازلنا ، قيل لنا : لم تدفعوا الإيجار ، ولكن إلى أين نرحل من جديد ؟ العقلاء : همسوا نحن أسماء ..مجرد أسماء باردة الدلالة ، وانجرّوا وراء الأقوياء، والمشاغبون قالوا: بل نحن أفعال ماضية الحد ّ، ولن ننجر ّ وراءهم ، ولوحوا مهددين بقبضاتهم صارخين :
جرّنا بالذل لا نرضى به ... وجزمنا بالعز أطيب منزل
آااااااااااااااه يا جدي .. لو رأيت ما حدث ، حشروا المشاغبين في السجون ، والعقلاء في الأكواخ ، وصارت العشيرة عشيرتين ، المشكلة كانت مشكلة الأثاث ، الصور المعلقة على الجدران ، و الأواني ، و دثارات الصوف ، وكتب العائلة ، ربك ستر ...الشباب أخذوا الصور والأواني ،فعلقوا الصور على جدران السجون ، لتمنحهم أوسمة الانتماء ، وقرقعوا على الصحون أناشيد العنفوان ، والمسنـّون اكتفوا بالباقي ، حكايات الكتب أنستهم حياة الأكواخ ، ودثارات الصوف دفأت مفاصلهم المتعبة .
بعد زمان نسينا ما لحق بنا ، أخذنا على المكان ، وأخذ علينا ، لم يعد يؤرقنا حمل الماضي ، وهدهدته ، فعلمنا أولادنا لغة هذا الزمان ، واللعب بقوانينه ، والمشي على دروب " شطاره ....وفتواته " ، وصنعنا لدهرنا أبطالاً يحتذون بهم ، يلعبون الكرة نهارا ً ، ويغنون ليلا ً ، وجملناهم في العيون ، و بهرجناهم الأذهان ، أنفقنا عليهم القصص المثيرة ، و عمليات التجميل ، والتصوير ، و السفر والسياحة ، والمؤتمرات الصحفية ، صنعنا أبطالا ً لا يشك ّ حتى العفاريت الزرق أنهم من ورق ، و هكذا أنستنا مباريات الدوري ، ومسابقات السوبر ستار ، ومسلسلات الحلقات الطويلة .... حكايات المنزل الأول ، المرفوع الشأن ...من قال " و حنينه أبداً لأول منزل " ؟
المصيبة يا جدي ، أنهم من جديد وجهوا إلينا إنذارا ً بالإخلاء ، لأننا لم ندفع الإيجار مرة أخرى ، والله نحن ندفع ، المشكلة أننا ننسى " الوصل " ، ذبحتنا مسألة الثقة بالآخرين ، فلم نثبت أمام المحكمة أن المكان لنا ، أمم وراء أمم تريد المكان ، وجاهزة للدفع ، من يجد محلاً هذه الأيام ؟ .
لا حول ولا قوة إلا بالله ...المهم يا جدي ... ماذا نفعل بالأثاث ، أثاثكم غال ٍ جدا ً علينا ، نفرط بأرواحنا ولا نفرط فيه ، والذي حصل أننا جميعا ً ، المساجين والمساكين حملنا " العفش " ، وانتقلنا إلى الشوارع الفسيحة ، و زاحمنا الجمل الابتدائية والاستئنافية التسكع في العراء ، ضايقناهم في البداية ، حتى أنهم شتمونا ، وضاقوا ذرعا ً بالصحون ، والصور ، والأغطية ، و مع هذا ... امتدت بيننا حبال المودة ، والحمد لله .. ... ارتحنا يارجل من دفع الإيجار ، وها نحن نعيش ، ونأكل ، ونشرب ، ونشاهد أغاني الفيديو كليب .....المحلات غالية هذه الأيام ،وضرائبها أغلى ، مجنون من يبحث عن محل .
الخيل والليل واحرّ قلباه يا جدي ، واحرّ قلباه
لن أكمل بيتك الشهير ، خيولنا تنافست على القفز فوق الحواجز ، فتعثر الفرسان ، وليالينا تطاولت في تسريح الكآبة ،فذوى السمر ، والبيداء أمست بوادي ، فتبدّد الحزن الأول ، والرمل الأول ، والشجر الأول ، والسيوف ملأت الحيطان ، والرماح تكدست في مخازن منتجي المسلسلات التاريخية ، والأقلام رفعت والقراطيس جفت .
عموما يا جدي .. لا تأكل هم القرطاس والقلم ، ...أحجار الكيبورد العجيبة ، وصفحات الآلات العجيبة تسد نقص الأقلام ، وتفي بالغرض ، ما إن تدق أصابعك على الأحجار ..تك تك تك تاك ..حتى ترى الحروف تقفز على الصفحات مثل قطيع خائف ، تتلاصق في خط جميل ما ماكتبنا مثله ، ومن دون أخطاء إملائية ، فنكتب عن سيرتك مع الخيل والليل
ثمة شاعر من أحفادك كان حزينا، فصهل ذات نكسة :
فلا خيول بني حمدان صاهلة ولا المتنبي فيها ساكن ٌ حلبا
المسكين مات بالجلطة ، بالتأكيد لم يكن على أيامكم جلطات ، ولهذا يجب أن تعذرنا يا جدي ، يجب أن تعذرنا . أمانة عليك يا جدي إلا تنسانا من الدعاء ..
عيسى الشيخ حسن
EASSASH@HOTMAIL.COM
رسالة إلى المتنبي
أرقٌ على أرقٍ جدي العزيز :
أعرف أنك زعلان منا كثيرا ، وتقول : قطعوني من الزيارة ، وتشاغلوا عني : بالشعر الحديث ، وتداعيات العولمة ، والروم الذين غليوا من بعد غلب ، وأحوال المعيشة المرهقة ، ها أنت قلت مرهقة ، نحن معذورون يا جد ، و ها أنت عصبي المزاج ،و كثير العتب ، ، من قال لك أن تشتم ضبة ، وكافور وابن كيغلغ ، ,و الدهرالذي " ناسه ناسٌ صغار " ، الجميع ناصبوا أحفادك العداء ، لو كنت مكانك لمدحتهم ، من أجلنا ، أليس لنا خاطر عندك ، يا رجل على الأقل لا تهجهم ، ومن قال لك أن تبكي على الفتى الـ......... ، الغريب الوجه واليد واللسان ، لننركنا في حسرتك حتى الآن ، لا غريب ولا من يحزنون ، يمكن لأننا غرباء أمام أنفسنا ، وغرباء على هذا الوقت العجيب ، ولكن ماالعمل ؟ نحن ـ من جهتنا ـ ما نسيناك ، كتبنا اسمك بحروف الشوق والرهبة ، والتعجب والكمد ، والأسى ، والأمل ، كتبناه على دفاتر اللغة ، وسبورات المدارس ، بخط الرقعة والنسخ والديواني ، حفظنا دالية العيد " عيد بآية حال ٍ " ، وميمية العتاب " واحر قلباه " ، ولامية الغربة " مابنا كلنا جوٍ يارسول " ، وسمعناها لطلابنا ، وأولادنا ، واستخرجنا منها الأفعال الخمسة ، والهمزة المتوسطة ، هذا ما نستطيعه من أجلك ، أما الزيارة ...؟؟؟ هيهات ، والله هذا ما نستطيع ، ستقول وقفوا في صف ّ أبي حيان التوحيدي ، أو الصاحب بن عباد ، ومن لف لفهم من الأدباء الذين أعمتهم الغيرة عن شعرك ، كلكم مساكين يا جدي ، المسكين أبو حيان أحرق كتبه ، ويعمل حاليا ً مصحح أخطاء إملائية في جريدة يومية ، وابن عباد صار سمسار عقارات في ذات المدينة .
أي محل ٍ أرتقي / أي عظيم أتقي
أي محل يا جدي ؟ أي محل ؟ بعدك بقليل جار علينا الزمن ، مالت علينا جهات الريح ، و حللنا الأغوار بعد النجود ، وحل علينا النصب والوصب والتعب ، بينك وبينك النصب مريح ، من جهة يظل بيننا وبين مجدنا المرفوع رمية حجر ، فنغرف من أمسنا ملء العين والحسرة ، ونستكتب أشعار الندب والعويل ، وقلنا : نرتاح قليلاً لنعاود الكرّة إلى مضارب أجدادنا المفتوحة على شرفات المدى .
ومابين : " ارحموا عزيز قوم ذل ّ " ، وبين : " أولئك أجدادي فجئني بمثلهم " طال علينا الأمد ، وفوجئنا ذات يوم أنهم يطلبون منا الرحيل إلى مكان آخر ، هناك أمم أخرى اعتراها النصب ،والوهن ، وجاء دورها كي ترتاح في منازلنا ، قيل لنا : لم تدفعوا الإيجار ، ولكن إلى أين نرحل من جديد ؟ العقلاء : همسوا نحن أسماء ..مجرد أسماء باردة الدلالة ، وانجرّوا وراء الأقوياء، والمشاغبون قالوا: بل نحن أفعال ماضية الحد ّ، ولن ننجر ّ وراءهم ، ولوحوا مهددين بقبضاتهم صارخين :
جرّنا بالذل لا نرضى به ... وجزمنا بالعز أطيب منزل
آااااااااااااااه يا جدي .. لو رأيت ما حدث ، حشروا المشاغبين في السجون ، والعقلاء في الأكواخ ، وصارت العشيرة عشيرتين ، المشكلة كانت مشكلة الأثاث ، الصور المعلقة على الجدران ، و الأواني ، و دثارات الصوف ، وكتب العائلة ، ربك ستر ...الشباب أخذوا الصور والأواني ،فعلقوا الصور على جدران السجون ، لتمنحهم أوسمة الانتماء ، وقرقعوا على الصحون أناشيد العنفوان ، والمسنـّون اكتفوا بالباقي ، حكايات الكتب أنستهم حياة الأكواخ ، ودثارات الصوف دفأت مفاصلهم المتعبة .
بعد زمان نسينا ما لحق بنا ، أخذنا على المكان ، وأخذ علينا ، لم يعد يؤرقنا حمل الماضي ، وهدهدته ، فعلمنا أولادنا لغة هذا الزمان ، واللعب بقوانينه ، والمشي على دروب " شطاره ....وفتواته " ، وصنعنا لدهرنا أبطالاً يحتذون بهم ، يلعبون الكرة نهارا ً ، ويغنون ليلا ً ، وجملناهم في العيون ، و بهرجناهم الأذهان ، أنفقنا عليهم القصص المثيرة ، و عمليات التجميل ، والتصوير ، و السفر والسياحة ، والمؤتمرات الصحفية ، صنعنا أبطالا ً لا يشك ّ حتى العفاريت الزرق أنهم من ورق ، و هكذا أنستنا مباريات الدوري ، ومسابقات السوبر ستار ، ومسلسلات الحلقات الطويلة .... حكايات المنزل الأول ، المرفوع الشأن ...من قال " و حنينه أبداً لأول منزل " ؟
المصيبة يا جدي ، أنهم من جديد وجهوا إلينا إنذارا ً بالإخلاء ، لأننا لم ندفع الإيجار مرة أخرى ، والله نحن ندفع ، المشكلة أننا ننسى " الوصل " ، ذبحتنا مسألة الثقة بالآخرين ، فلم نثبت أمام المحكمة أن المكان لنا ، أمم وراء أمم تريد المكان ، وجاهزة للدفع ، من يجد محلاً هذه الأيام ؟ .
لا حول ولا قوة إلا بالله ...المهم يا جدي ... ماذا نفعل بالأثاث ، أثاثكم غال ٍ جدا ً علينا ، نفرط بأرواحنا ولا نفرط فيه ، والذي حصل أننا جميعا ً ، المساجين والمساكين حملنا " العفش " ، وانتقلنا إلى الشوارع الفسيحة ، و زاحمنا الجمل الابتدائية والاستئنافية التسكع في العراء ، ضايقناهم في البداية ، حتى أنهم شتمونا ، وضاقوا ذرعا ً بالصحون ، والصور ، والأغطية ، و مع هذا ... امتدت بيننا حبال المودة ، والحمد لله .. ... ارتحنا يارجل من دفع الإيجار ، وها نحن نعيش ، ونأكل ، ونشرب ، ونشاهد أغاني الفيديو كليب .....المحلات غالية هذه الأيام ،وضرائبها أغلى ، مجنون من يبحث عن محل .
الخيل والليل واحرّ قلباه يا جدي ، واحرّ قلباه
لن أكمل بيتك الشهير ، خيولنا تنافست على القفز فوق الحواجز ، فتعثر الفرسان ، وليالينا تطاولت في تسريح الكآبة ،فذوى السمر ، والبيداء أمست بوادي ، فتبدّد الحزن الأول ، والرمل الأول ، والشجر الأول ، والسيوف ملأت الحيطان ، والرماح تكدست في مخازن منتجي المسلسلات التاريخية ، والأقلام رفعت والقراطيس جفت .
عموما يا جدي .. لا تأكل هم القرطاس والقلم ، ...أحجار الكيبورد العجيبة ، وصفحات الآلات العجيبة تسد نقص الأقلام ، وتفي بالغرض ، ما إن تدق أصابعك على الأحجار ..تك تك تك تاك ..حتى ترى الحروف تقفز على الصفحات مثل قطيع خائف ، تتلاصق في خط جميل ما ماكتبنا مثله ، ومن دون أخطاء إملائية ، فنكتب عن سيرتك مع الخيل والليل
ثمة شاعر من أحفادك كان حزينا، فصهل ذات نكسة :
فلا خيول بني حمدان صاهلة ولا المتنبي فيها ساكن ٌ حلبا
المسكين مات بالجلطة ، بالتأكيد لم يكن على أيامكم جلطات ، ولهذا يجب أن تعذرنا يا جدي ، يجب أن تعذرنا . أمانة عليك يا جدي إلا تنسانا من الدعاء ..