المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الولد الذي أمسى شاعرا ً


عيسى الشيخ حسن
23-02-2004, 09:15
عن الولد الذي أمسى شاعرا ً
أقواس
عيسى الشيخ حسن eassash@hotmail.com

الولد الذي أمسى شاعرا ، وظل ولدا ، رأى قوس قزح ؛ نبت للتو على ذيل سحابة تبكي ، فصعده حالما ً بالوصول إلى ذروته ، كي يطل من هناك على مخلوقات الله ، و يقضي أياما ً حلوة ، سبق أن بحث عنها ، بين طيات الكتب ، و حارات المدن الفاضلة ، بشعاراتها الذابلة ، وكان يتسلق ويتسلق بهمة بروميثيوس ، ونشوة عدائي المسافات القصيرة , و أمه قالت له " الفطور جاهز " و كان مشغولا ً بحبات المطر التي سالت على طرف قوسه الملون ، ورجته حبيبته أن يتنازل عن كبريائه ، و يرد على مكتوبها الأخير ، وكان مشغولا عنها بالصعود ، و استمهلته مصلحة الضرائب أن يسدد ما عليه ، فسدد سهم نظراته إلى الأعلى ، مجربا قوسه المشدود نحو النجوم ، والقصيدة بكت بين يديه كي يأذن لها أن تخرج في نزهتها الأسبوعية ، والأمنيات طلبت منه أن يشتري لها ثيابا ً تبرق في الليل ، والخيبات تمنت عليه أن يعيرها إحدى قصائده القديمة ، لحفل زفاف آخر هزيمة ، والولد الذي أمسى شاعرا ً مشغول بقوسه .
" جدوا شاعرا ً غيري " صرخ الولد في نزق ، و همس الشاعر الذي داخله " لن يكبر هذا الولد " ، كان الأولاد يقفزون بجذل ومهارة فوق جدران الطين ، وأسوار المدارس ، والحفر ، وواجبات الدروس الثقيلة ، وصاحوا به " يا مجنون تعال واقفز معنا " ، وفقدت أمه الأمل من ابنها الذي " تعلق بالحبال الذائبة " ، وحجزت مصلحة الضرائب على قصائده .
وظل يرتقي قوسه ، بهمة بروميثيوس ، وعدائي المسافات القصيرة ، والأولاد يصرخون به : يا مجنون تعال واقفز معنا فوق الجدران ، كان الأولاد يقفزون ، وظل يصعد ، والأولاد كبروا ، وظل ولدا ً ، الرجال الذي كانوا أولادا ً ، أتقنوا القفز على الجدران ، وفيما بعد ، أتقنوا القفز فوق حبال الغسيل ، وكراسي المقاهي ، والأنهار ، وحواجز المسابقات الرياضية ، و الصداقات العابرة ، والمبادئ ، و المغامرات ، والماضي ، والتاريخ ، والجغرافيا .
ولم يعودوا يصرخون به لأن أذنه انثقبت من قراءة الرعد للغيوم ، والولد الذي لم يكبر يصعد قوسه ، حتى إنه امتطاه وصار يعدو به ،من غيمة إلى غيمة ، مثل كل الأولاد على جيادهم الخشبية ، ولم يعد يخاف أن يطير منه ، مثل نملة على طرف البساط الذي ينفضه كل أسبوع ،

و أمه نادته " برد الشاي .... أصحاب الأقواس مناحيس ، خذ العظة من كيوبيد ، و الكسعي ... وتمتمت بسخرية شيئاً من أرجوزة الشاعر البدوي :
يا رب سددنى لنحت قوسي وانفع بقوسى ولدى وعرسي
وحبيبته تزوجت آخر يتقن القفز ، وأدركت أخيراً أن قوس كيوبيد الذي انجرحت بسهمه فتاة ساذجة قد انكسر منذ زمن ، وكان فرحاً لأن ألوان قوسه السبعة تفوق جمال قوس الكسعي الصفراء كالورس ، وقوس كيوبيد الملون بالغيرة والندم والحب ، وحمل في جيبه سهام نظراته لأن قوسه مشدود نحو نجوم السماء ، وردّد بيتاً لشاعر ٍ راحل " كم نجمة وثبت لتلثمه / فلم تظفر به فتعلقت بثيابه " ومصلحة الضرائب باعت قصائده لناقد مغمور ، والخيبات سرقت قصيدة قديمة له ، وحكمت عليها غيابيا ، والأماني أعطته فرصة أخيرة ، ليشتري لها ثوبا براقا .
وكان يصعد ويصعد....وعندما وصل كتف قوسه ؛ قال في تحد ّ : " لست مستعداً أن تتدحرج صخرتي إلى الأسفل آخر النهار " ، وكان يصعد ، وأصدقاؤه جاؤوه بفتوى لغوية مفادها أن السوق مقلوب القوس ، فلا ضير أن يبيع ويشتري ويصعد ويهبط ويأكل ، وكان يصعد لأنه لم يعد يسمع إلا الرعود ، ولم يعد يقرأ إلا حروف البرق الوامضة .
****
هناك على القمة تمسك بالحبال الملونة ، ونام قليلا ً ، وصرخوا به من بعيد : انزل بهدوء قبل أن تسقط ، انزل ، الرجاء أن تنزل ، صرخ به أصدقاؤه الذين صاروا رجالا ً ، و أمه في أيامها الأخيرة ، وحبيبته القديمة التي صارت أماً لخمسة أولاد ، وقراء الأبراج ، ومواليد برج القوس ، وقراء الروايات القديمة ، ولكنه لم يعد يسمع ...ومضى في طريقه .. مطلا ً على الهاوية التي تنتظره في الطرف المقابل ، وكانت قدماه تستسلمان كأي ضحية لنشوة غامضة ومخيفة ، وبدأ يتزحلق ، ليس كما تنزلق عيناه إلى السطور الأخيرة من الروايات بملل ، وليس كما تنزلق يداه إلى جيبه في آخر الشهر بحذر ، كان مستسلما ً بكليته إلى نهايته الماتعة والغامضة ، وضحك بسخرية لأن قوسه اختصرت ألوانه أخيراً بلون واحد ، لون الورس في قوس جده الكسعي ، ومثل لون الغيرة في قوس صديقه كيوبيد ، لون الخوف ، لون الموت .

بروووق
23-02-2004, 09:29
؛

حين قرأت هذه السطور .. أغمضت عيني لأرى !
وبين صعود ونزول ... كانت رحلة ذات عمق وبعد ...

تحياتي لقلمك ...

خلود الحسّاني
24-02-2004, 12:04
اخي الفاضل ..

اتهجى كلماتك كمبتدأ تعليمي لان اقتفاء اللمعان يعني الوصول للنجوم

كل التقدير

ساره الفواز
26-02-2004, 04:31
يأسرني كثيرا عطاءك استاذ عيسى

قصة رائع بالفعل
كل الشكر لك على منحنا فرصة القراءة هنا .

طوق الياسمين
26-02-2004, 12:05
عيسى الشيخ حسن

هذا هو حال المبدعين . يسكنون بجانب الطرقات , ولا يسمعون الا صدى
أحاسيسهم , ويعتقدون بأن الموت من حقهم فقط يستدعونه في أي وقت يشاؤون .
أنها سكرة الروح المبدعه لاتعرف الا أن تعيش بحديقة ذات جدران زجاجيه
كتب عليها للنظر فقط ممنوع الأقتراب .
وهنا نقرأ ونقرأ ونعيد القرآه لنتعلم منك .

أشواق
10-03-2004, 10:18
وايد حلو تشبيهاتك وتصويرك العميق والممتع