المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حين رأيتها ....يوم في حياة قصيدة


عيسى الشيخ حسن
16-02-2004, 04:23
حين رأيتها ....يوم في حياة قصيدة

أفلتت من الشاعر كطائر يحلم حريته ، صرخ بها : " لم تنضجي بعد ، مازلت غرة ، يا مجنونة .. انتظري " ، لكنها رفرفت فوق فوق كأمنية لعوب تداعب كسالى ، يرسمون حياتهم بحبر سريع الزوال .

حطت القصيدة على كتف شجرة عجوز ، فأورقت الغصون وداعبتها النسائم ، وطارت إليها العصافير ، وانفجر نبع ماء اتخذ مسيله من جانبها ، وهرع إليها العشاق والصيادون وطلبة المدارس وعابرو السبيل ، ناءت الشجرة العجوز بحملها الثقيل ، وهمست في أذن القصيدة :" أرجوك ، لاطاقة لي بهذا الحمل ، جذعي منخور ، يكاد ينكسر ، ارحلي قبل أن أنفضح " ... حزنت القصيدة ، ورحلت .. تهدلت الزهور على قمصان العشاق،و لملم الطلاب الأوراق المتساقطة حزنا ً، وذبح الصيادون العصافير ودسوها في أكياس نشوتهم ، و العابرون جففوا الفاكهة وجمعوا مياه النهر في القوارير ، و ادعى الجميع أنهم قبضوا عليها قبل الفاجعة ، الطلاب الشطار قالوا إنها تكتب ، ووضعوا أوراقهم في ثنيات الكراريس ، و قال العشاق القصيدة الحق لا تفقد عطرها ، وأدمنوا زراعة الورد ، فيما ادعى الصيادون أنها رفرفة المعنى المذبوح في دفقة طارئة ، العابرون .. قالوا الشعر المفيد لا تنتهي مدة صلاحيته ، و باعوا بضائعهم على أرصفة الجامعات .

كانت المسكينة اندست في ريشة عصفور هارب ، فهام بها كثيرا ، و حلق في أمداء بعيدة ، ورأى ورأى ... رأى شموسا ً تحرق ، و نجوما تبكي ، وكواكب تغني ، و رأى زرقة تعقبها خضرة ، وليلا ً في كبد نهار ، وربيعأ يؤاخي شتاء ، وأناشيد سماوية في مراكب البرق ، سكر العصفور بالرؤيا ، و اشتعل ريشه ، وصرخ بالقصيدة : " منك لله ، ما لي وللتحليق " .

هبطت المسكينة المغامرة بذات الريشة على كوخ فقير في ركن من الغابة ، فسالت الموسيقا حفية بضيفتها ، وأيقظت أبناء الغابة الكبيرة الذين طافوا حولها زرافات ووحدانا ، حتى غص الكوخ بهم ، ادعى الأغنياء أنهم مجبولون بحب الطبيعة ، و اللصوص زعموا انتماءهم عالم الكوخ ، كما أكد السياسيون أنهم كرسوا كل حياتهم من أجل ساكني الأكواخ ، اختنقت القصيدة برائحة النفاق الكريهة ، وارتمت على جناح غيمة ، سرعان ما أمطرت فنزلت حبة مطر كبيرة على جفن امرأة .

تخضب وجه المرأة بالقصيدة ، وعاد إليها حبيبها القالي ، ونافسه عليها الشعراء ، والمطربون ، و لاعبو الكرة ، والقاعدون على المقاهي ، غص بريدها بالرسائل ، وبيتها بالخطاب ، ووقتها بالأحاديث الصحفية ، و صارت حديث المدينة ، فطلق الرجال زوجاتهم ، و هجر العشاق حبيباتهم ، وتصابى الحكماء ، وشاع النسيب في نظم البلغاء ، لم تحتمل المرأة كل هؤلاء المحبين فأصابها الجنون ، وقضت أيامها الأخيرة في مشفى أمراض نفسية مشغولة بجمع معلومات ترشدها إلى القصيدة التي هربت بخفة .. تاركة عاشقي المرأة ، العائدين إلى عقولهم !

بعد ذاك بحثنا عنها طويلا ً ، في صحون الفقراء و وحصون العدل ، في دفاتر المحققين وأقبية السجون ،في حماسة الطلاب وأمالي مدرسي اللغة العربية ، في دفقات الجنون و كنوز اللاشعور ،في نشوة الحرب وانتظار الجنود ،في نشيج السفر وعيون الغرباء ، في رحيل الذات وحقائق الصوفية ، في أيام الأعياد وآهات الأمهات ، و شميم عرار نجد ، وجبل الريان ، وعيون إلزا وبلقيس وليلى ولبنى ، في دالية ابن الرومي ، وبائية ذي الرمة ، في أشعار الصعاليك ، وشعارات الحواة ، وكلما زعم أحدهم أنه وجدها ، لم نجد إلا ظلال خطواتها العابرة .

***

يومها .......اشتقت إليها كثيراً ، وفي حدود وردة كنت أقرؤها ، كان المساء بكامل حزنه يغريني بزيارتها ، أخذتني خطاي إليها ، يممت حديقة القصائد ، في إحدى مدائن اللغة ، هناك لمحتها مثل لمعة برق ، ثم اختفت بين قصائد الحديقة التي تعيش اختلافها ، وفرحها بالنقود و أكياس الفاكهة يوم زيارة أصحابها ، قصائد عرجاء وصحيحة ، لعوب وكئيبة ، وفية وخائنة ، بارة وعاقة ، بمناديل حريرة ، وسافرة ، ذكية وساذجة ، بثياب الحداد وطرحة العرس ، بخفرها وجرأتها ، بعفتها وفسقها ، بهدوئها وصخبها ، بتعالي كتبتها المتشاعرين ، وتواضع كتابها الشعراء ، بالحريق في عيونها ، والرنين في ضحكاتها ، كلها ... كلها ..تدعي أنها القصيدة ، كما يزعم أصحابها .

/////////


ولأن الطيور مازالت تناكد الصيادين ، متحدين بواريدهم في أعراس الفضاء ، والزهور تغري العاشقين ، والأوراق تلم أحزان طلابها ، والفاكهة تطرح كل عام ، والينابيع تغسل أقدام الشجر ، والغيوم تعبر ، والأكواخ تكثر ، والنجوم تبكي ، فإن القصيدة لم تمت ، كي تقبر في نص .

لعلمي بكل هذا سأحمل فخاخي معي ، فلعلها تمر بي يوماً .

فؤاد العنقري
16-02-2004, 07:59
استاذي الكريم عيسى الشيخ حسن00سلمه الله

تحياتي ... ورجائي ..ان تمطرنا بما تكتب ... كلما سنحت لك الفرصه ...

فحروفك تزيد من رونق منتدانا ...وتنعشه

اخيك فؤاد العنقري

خلود الحسّاني
17-02-2004, 03:58
الراقي والمتألق المتأنق ..

كل الشكر لسرعة استجابتك بايراد هذه المعزوفه فمنذ قرئتها وانا

اعتبرها وثيقة تاريخيه تحكي ولادة الشعر والقصائد بدواخلنا ..

فكم كتبنا وكم سنكتب وكم سنظل نتساءل متى بدأنا ؟؟ ولكن من هنا تكون البدايه

وينتهي تعب السؤال ..

كل التقدير ..

ابو نواف
19-02-2004, 11:14
الأديب الرائع عيسى الشيخ حسن
وكأني بك وقد احتجت لهذه القطعة الأدبية الفريدة جواً وطقساً خاصاً لتخرج مزفوفة بأكاليل الإبداع ...

هي ليست مجرد نص أدبي يمر وينسى ، بل هي درة نفيسة مما يستشهد به على تفرد قلم المبدع عيسى الشيخ حسن ...
تمتعت أيما متعة في قرائتها والعبور معها في جناح العصفور ....
لك صادق الإعجاب وكل الولاء والانحياز لقلمك

د خالد العماري
19-02-2004, 11:46
لله درك من كاتب ...
تجلياتك هنا لم أقرأ لها ما يماثلها أو يحاكيها جمالاً وتمكناً وإبداعاً .
لا تنقطع عنا ... وجد علينا .

الغــــلا
10-03-2004, 03:43
وهمست للنوافذ

أن ينطق الصرير روعة

والابداع سجالا ناطقا

ممسكا للاوراق لغة http://www.mrabi.net/vb/images/icons/icon18.gif

سيدي

كان من بين طيات الوجود

أجراسا تداعب الابواب

http://www.mrabi.net/vb/images/icons/icon18.gifالمحكة في القلوب

عيسى

كانت الرؤس في شموخ

تنمو على روابيها التصفيق

حلقت بين جنبات الهوى

واغدقت طيران الجوى

دمت رائعا سيدي

ولاهنت


http://www.mrabi.net/vb/images/icons/icon18.gif