المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القصيدة والجغرافيا


عيسى الشيخ حسن
15-04-2005, 03:55
عيسى الشيخ حسن :

ربما كان شيخ الرواية العربية نجيب محفوظ هو من شجعني على كتابة هذا المقال الاقتراح والاحتجاج في آن، محفوظ تمنى على المسؤولين في مؤتمر الرواية العربية الأخير الذي انعقد في القاهرة قبل شهر تقريباً، والذي انعقد تحت عنوان الرواية والتاريخ أيضاً، أن يقام في مصر مهرجان للشعر العربي، لأن الشعر ديوان العرب، برغم ما يقوله الدكتور جابر عصفور عن زمن الرواية. إن انحيازي للرواية والقصة معروف وأسبابه كثيرة، ومع هذا أحلم بمهرجان للشعر العربي في القاهرة، فالشعر هو روح الأدب. نجيب محفوظ الذي يبدأ يومه بقراءة أبيات من الشعر تكون بمثابة فنجان قهوة الصباح، لم يرق له أن تستبد الرواية ببقعة الضوء كلها.



اقتراح نجيب محفوظ أعاد إلى الحاضرين شهية النقاش حول ديوان العرب في الوقت الحالي، الشعر أم الرواية، معيداً إلى الأذهان الضجة التي أثارها كتاب جابر عصفور: "زمن الرواية" وما رافقه من سجال لم يستمر من قبل المتعصبين للشعر، ولمّا درجت ندوات الرواية مؤخراً على التحرش بمفردة (التاريخ) باعتباره ظرف الزمان الذي تتدحرج على سطحه حكايات الماضي، وأحداثه ضمن ما يسمّى العمل الروائي، فإن القصيدة جديرة بالوقوف على تضاريس الجغرافيا حاكية لوعة المكان إزاء ظروف الزمان المرهقة،التي خطت على وجهه علاماتها المميزة.

منذ (قفا نبكِ) كانت القصيدة العربية تذرف افتتاحياتها فوق سقط اللوى، والدخول، وحومل، وحومانة الدراج، وبرقة ثهمد، وعنيزتين والغيلم، ودرنى. والعلياء والسند ِ، وظلّ المكان في المتخيل الشعري اللوحة التي يغري بياضها جميع ألوان القصيدة لتتمازج فوقها، المكان الذي بات مثاراً للذكريات، وملعباً للحزن، ودليلاً إلى نشيد طويل بقي إلى حين قريب نشيد الجماعة الأول، إلى أن جاء الإسلام و أخذت الفتوحات أبناء الجزيرة في رحيل مستطيل نحو بلادٍ بعيدة، جعلت حديقة حنين وارفة الشعر، إلى الحد الذي جعل من مرثية ابن ريب، مرثية جماعة أنشدها ابن ذلك الجيل الذي قضوا نحبهم خارج ألفة المنزل الأول، ابن الريب استعان بالرواية ليحدثنا عن رحلته التي أصبح فيها غازياً في جيش ابن عفان، وقد خنقه المكان الجديد، حيث غالت خراسان هامته، مبتدئاً بلحظات تمنّ طويلة الشجن كي يستعيد ولو للحظة نشوة الحواس وادي الغضا.

وإن كان الرحيل الاختياري أثار كلّ هذا الكم من الحنين عند الشاعر العربي، لعلنا نضيف إليهم شعراء المهجر الذين شكلوا ظاهرة لافتة، فإن الترحيل القسري أضفى على الشوق ألوان أسى كامد لا يغادر، تجلى ذلك واضحاً في القصيدة الفلسطينية التي أجهشت بالبكاء "خارج المكان" واستحضرت حيفا، ويافا، ورام الله، وبيسان، وبيارات البرتقال والليمون، والبيوت التي ظلت مفاتيحها القديمة في يد أصحابها كبوصلة.

لا أريد في هذا المقام أن أقارن بين الشعر والرواية، فلكل منهما عناصره وأدواته، وإن تداخلا في باب ما يسمى تلاشي الحدود بين الأجناس، وإن كان الشعر عند محفوظ هو روح الفن، فإنه روح الأمة. ظلّ دائماً أمين سرّها المخلص، وفي ظلّ ارتباك الجغرافيا، وتبدلات المفاهيم، فإن الشعر في انتظار برهته الماكثة في حلم، تاركاً للحكايات فسحة لامتلاك الساحة الأدبية.

الحكايات رصيدنا الأكثر دفئاً في زمان الهزائم.