المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لو


عيسى الشيخ حسن
14-02-2007, 07:20
خرجت " لو" من بطون الأمالي وكتب النحو والمناهج المدرسية، هاربة من حكم جائر تدفع ثمنه منذ تقعيد الكلام، كونها أداة محرضة في جناية الامتناع من تنفيذ شروط صعبة.
دبّت خطاها على دروب الحياة فارتعشت مثل عشب، وشمّت هواء الحرية فقفزت في الهواء، ونسيت السجن العتيق في كتب القواعد، نسيت أخواتها في الدم والرضاعة من أدوات الشرط الجازمة وغير الجازمة، نسيت مدرسي اللغة العربية، والطلاب النابهين، نسيت الأمثلة المقحمة وأبيات الألفية، ومشت في دروب من تراب، واستمتعت بالغناء مع الرعاة، والحديث مع العجائز، والصراخ مع جماهير الكرة، والبكاء مع المظلومين، وقفت على رؤوس الجمل، واختفت وراء أجوبة الشرط المفترضة، ونامت في أكواخ الفقراء، غنّت ملء رئتيها، ورقصت ملء قدميها، وأقسمت ألاّ تعود إلى بطون الكتب والأمالي؛ مادامت على رفوف النسيان والإهمال.

في ميدان القتال المزمن بين الجيشين، قال المهزومون: " لوكان سلاحنا متطوّراً لهزمناهم "، فطارت " لو" في الحال إلى أحدث مصانع السلاح، ووفّرت للمهزومين فرصة للنصر، الذي لم يتأخّر كثيراً، وفي حرم الجامعة نظر الطلاب الفقراء إلى الشروط الجائرة للدراسة على الرغم من وفرة البيوت التي تتجاوز أجرة سكناها رواتبهم الهزيلة، فمسحت " لو" صدور المؤجّرين بزيت القناعة..فلم تبقَ أسرةٌ في العراء، وفي الشارع الطويل دسّت " لو" النقود في جيوب العابرين، فهرعوا إلى الأسواق، فلم يبق طعام في قدر، ولا سيارة في متجر، ولا ساعة على واجهة زجاج، ولا كتاب على رفّ، ولا قماش ولا حلية ولا دواء. فرغت المدينة من المؤونة، وتكدّس المال في جيوب التجار وأصحاب المقاهي والمطاعم، وخوت دكاكينهم من البضائع. لم يعد في السوق بيعٌ ولا شراء، ولا دفاتر شيكات، ولا أقساط شهرية، ولا فواتير، ولم يعد دائنٌ يستمتع بمطالبة، ولا جلاد بحفلة تعذيب.

وحين استتبّ العدل في الحاضر، سافرت إلى الماضي ، فاحتلّ الهنود الحمر أوروبا وتقاسموها مع إفريقية بعد الحرب العالمية الثانية، وفازت دول آسيا بكأس العالم، وفاز العرب بجميع كراسي مجلس الأمن دائمة العضوية، ومارسوا حق الاعتراض " الفيتو" في كلّ قرار. خلت الكتب من الهزائم والمراثي والشتائم والشكاوى والنقائض وحروب الإخوة.

خاف الأغنياء والطغاة والمرابون والمؤرخون من هذه الظاهرة، بعدما هربت " لو" من سجون الأمثلة والشواهد، وارتدت طاقية الإخفاء، وسبّبت الفوضى والشغب في المدينة، وأصاب القلق رجال الشرطة، ومدرسي اللغة العربية، وأعلنت جائزة ضخمة لمن يلقي القبض على هذه الأداة الضالّة المضللة.

***
تمّ ذلك في ليلةِ شتاء باردة، إذ لم تألف " لو" برد الحياة القارس، فنزعت عن رأسها طاقية الإخفاء ودسّت فيها يديها المقرورتين، زعم الراوي أن محققاً كهلاً مرّ بجانبها مصادفةً، وتعرف إليها من طقطقة أسنانها غير الجازمة، فضحك في سرّه وأعطاها سترته، ثمّ وشى بها، وألقي القبض عليها في يوم أسود مشؤوم، بكى فيه الفقراء والمحرومون والمظلومون.

وزعم الراوي أن " لو" عادت إلى بطون الكتب والأمالي، وأنها تسام سوء العذاب في استذكارها الشحيح على السبورة المدرسية، وفي نسيانها مع مصطلحات النحو التي تنقرض، وقال الراوي: «ولكنها لا تزال تخرج من حين إلى آخر إلى حقول الفانتازيا الخضراء، فتمرح مع الاحتمالات العذبة، وتقضم عشب الافتراضات الواعدة، وتتذكر بنشوة ذلك التمرد العظيم على قواعد مدينة النحو».

خلود الحسّاني
15-02-2007, 04:48
أخي الاستاذ عيسى الشيخ حسن ..


( لو ) لم يكن للقلم صديق مثلك ؟؟

و( لو ) غاب تواجدك عن متصفحاتنا ؟؟

و ( لو ) حرمت الذائقه أن تحلق في فضاءات كتاباتك الرحبه ..

لشكى الأدب حالة ونعى أهله ..

عندما تغيب تعود إلينا بأمواج هادره من صخب الحرف الذي يرفعنا للسماء

ويهبط بنا إلى قلب الحدث ...


((وزعم الراوي أن " لو" عادت إلى بطون الكتب والأمالي، وأنها تسام سوء العذاب في استذكارها الشحيح على السبورة المدرسية، وفي نسيانها مع مصطلحات النحو التي تنقرض، وقال الراوي: «ولكنها لا تزال تخرج من حين إلى آخر إلى حقول الفانتازيا الخضراء، فتمرح مع الاحتمالات العذبة، وتقضم عشب الافتراضات الواعدة، وتتذكر بنشوة ذلك التمرد العظيم على قواعد مدينة النحو».))

اترى يمكن لهذا أن يكون جواباً لكل الاسئله التي بقيت إلى اليوم بلا جواب

شافي ..

ألهذا كانت ( لو ) تفتح باب الشيطان لأنها تفتح هوة عميقة بين الحلم وواقعية

تحقيقه ..؟؟

بين ثنايا هذه السطور الكثير الذي يمكن أن يقرأ والأكثر الذي يجب أن يُتأمل ..

خالص تقديري لك أيها القلم الباسق ..

بروووق
19-02-2007, 03:29
لو .....

هل نستدرك بها ....
أم نندب ...
أم نطلق لأحلامنا فضاءات متاحة .....
تبقى لو
لحظة متكررة في حياة كل منا ....
تمازح بها أقدارنا ...
شكرا أستاذ عيسى ...

ينابيع السبيعي
19-02-2007, 06:13
استاذي كم أقرأ الحكمة في كتاباتك
والجمال ونعود لكلمة
لو ...
كونها تفتح عمل الشيطان
ماذا تراها تصنع بنا
فهي تخالطنا في الحديث وفي لحظة الندم بالذات
لنقول
لو عملت كذا لما حدث كذا
إذا لو.. هي أداة ضالة مضللة
يجب القبض عليها نعم ولكن كما قلت يا أستاذي:


وزعم الراوي أن " لو" عادت إلى بطون الكتب والأمالي، وأنها تسام سوء العذاب في استذكارها الشحيح على السبورة المدرسية، وفي نسيانها مع مصطلحات النحو التي تنقرض، وقال الراوي: «ولكنها لا تزال تخرج من حين إلى آخر إلى حقول الفانتازيا الخضراء، فتمرح مع الاحتمالات العذبة، وتقضم عشب الافتراضات الواعدة، وتتذكر بنشوة ذلك التمرد العظيم على قواعد مدينة النحو».
فهل يكفي هذا يا ترى؟؟
أم ان لها حل آخر؟
دمت بهذا الفن من الأدب الراقي استاذي الفاضل
ينابيع السبيعي