رحلة في كتاب
رحلات في شبه جزيرة العرب
جون لويس بوركهارت
تعريب د عبد العزيز الهلابي – د عبد الرحمن الشيخ
دار الرسالة
|
تربط بين الشرق وأوروبا علاقات قديمة جداً ، وهي في مجملها علاقات صراع كان تحقيق النصر فيها بالتناوب ، ومع ذلك تخلل هذا الصراع فترات ازدهرت فيها العلاقات التجارية والتبادل الحضاري . والشرق بعقائده وقيمه وتقاليده لم يكن مفهوماً للأوروبيين ، وكذلك أوروبا لم تكن مفهومة للمسلمين . وفي القرن التاسع الهجري ( الخامس عشر الميلادي ) اضطرم حب المعرفة والاطلاع لدى الأوربيين ، فأخذوا يجوبون البحار رغبة في اكتشاف بلاد جديدة ، ليس في سبيل زيادة المعرفة الإنسانية فحسب ولكن سعياً وراء مغانم يطمحون في تحقيقها أيضاً . وكان المشرق الإسلامي من المناطق التي اجتذبت بعض الأوربيين لدوافع وغايات مختلفة . ومن هؤلاء جون لويس (يوهان لودفيج) بوركهارت . ولد بوركهارت في لوزان بسويسرا عام 1784م ، ودرس في ألمانيا ، وغادر إلى انجلترا في 1806رافضاً الخدمة العسكرية تحت راية نابليون ، ودفعته رغبته في تكريس نفسه للارتياد إلى عرض خدماته على الجمعية الأفريقية البريطانية التي مولت عدداً من البعثات الاستكشافية إلى منطقة النيجر وانتهت هذه الرحلات بهلاك المستكشفين ، فقبلت الجمعية عرضه وتعاقدت معه على أن يعمل لحسابها مقابل أجر يومي قدره جنيه واحد . فأخذ يعد نفسه ودرس اللغة العربية والكيمياء والطب في جامعة كيمبردج ، ويتمرن على قطع مسافات طويلة مشياً في الشمس مكشوف الرأس ويفترش الأرض ولا يأكل الا الخضار ولا يشرب إلا الماء . في 14 فبراير 1809م أبحر إلى مالطه ومنها إلى حلب متنكراً كتاجر مسلم تحت اسم ابراهيم عبد الله . وأفاد من إقامته في حلب ودمشق بالتعمق بدراسة اللغة العربية والقرآن الكريم والفقه والجغرافيا والتاريخ الإسلامي . ثم قام بأعمال ميدانية هامة تمثلت بالترحال في بادية الشام والإقامة مع البدو ودراسة حياتهم ، وكذلك البحث عن الأماكن الأثرية ، وكان من أهم إنجازاته اكتشاف البتراء . وبعد الإقامة في بلاد الشام أكثر من عامين غادرها إلى مصر التي وصلها في سبتمبر 1812م ، حيث قرر أن ينحدر مع النيل حتى منطقة النوبة ، ووصل إلى مسافة مائتي ميل جنوب أسوان واكتشف معبد أبو سنبل ولم يستطع أن يتقدم أكثر فعاد أدراجه . ثم قرر أن يقوم برحلة إلى شبه الجزيرة العربية وخاصة مكة المكرمة ، فانضم إلى قافلة حج مؤلفة من نوبيين وسودانيين وسار مع القافلة حتى وصل سواكن ، ومنها بحراً إلى جدة فوصلها بعد أسبوعين . ومكث في الحجاز مدة استغرقت أحد عشر شهراً ، وقد أصيب بالملاريا حال وصوله جدة وكاد أن يفارق الحياة بسببها ولم يلبث أن شفي وعاد إلى القاهرة وانشغل بمراجعة مذكراته التي كتبها عن رحلاته تمهيداً لإرسالها للجمعية , وكان يأمل في إنجاز مشروعه الأصلي وهو السفر مع قافلة الحج القادمة من مكة إلى فزان ومن ثم يحاول اكتشاف منابع نهر النيجر ، ولكنه أصيب بالطاعون ووافاه أجله في القاهرة في أكتوبر 1817م . وقد جاءت نتائج رحلات بوركهارت في أربعة مجلدات هي : 1- رحلات في بلاد الشام . 2- رحلات في بلاد النوبة . 3- ملاحظات عن البدو والوهابيين . 4- رحلات في شبه جزيرة العرب . وقد أبدت الجمعية الأفريقية اهتماماً بالغاً برحلات بوركهارت ونشرتها جميعاً.واحتوت على معلومات جديدة ومتنوعة في الانثروبولوجيا والآثار والجغرافيا والاقتصاد،وخصوصاً وصفه الدقيق للمقدسات في مكة والمدينة ومشاعر الحج . ولم يكتف بما رآه بعينه وسمعه بل راح ينقب في المصادر العربية ليجد تفسيراً لما شاهده وليربط الظواهر بجذورها التاريخية . وقد وصف بوركهارت الحياة في الحجاز وصفاً دقيقاً ، فأعطى معلومات مفصلة قيمة عن المدن ومنازلها ودكاكينها وشوارعها وأسوارها ومصادر المياه فيها ومقابرها . كما وصف تركيب السكان وعاداتهم وتقاليدهم ومهنهم وأساليبهم في الأكل والملبس وأساليب التعامل والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعلاقات الحجاز بأقاليم شبه الجزيرة وبالهند ومصر . وقد وصف بيت الله الحرام ومشاعر الحج ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وأماكن الزيارة في مكة والمدينة ، كما وصف الطرق بين المدن بما فيها من محطات استراحة وآبار ووصف الجبال وأنواعها وصخورها والوديان والأشجار ، ووصف طرق الحج المصري والشامي واليمني والطريق بين المدينة والقصيم .
|